المدونة

عندما استحوذت الأفلام الغنائية المصرية على شباك التذاكر

  • 0 comments

عندما استحوذت الأفلام الغنائية المصرية على شباك التذاكر

محمد دياب

في زمن لم يكن التلفاز متاحاً للجميع، وقبل ابتكار الأغاني المصورة بعدة عقود، كانت الأفلام الغنائية هي الوسيلة الأساسية للمستمعين العرب لمشاهدة مطربيهم المفضلين. وخلال فترة وجيزة، تحول جمهور من المستمعين المتعطشين إلى متفرجين، ما شقّ طريقاً لنجاح منتجي الأفلام الغنائية. وهكذا أُنتج أكثر من 300 فيلم غنائي في الفترة بين مطلع الثلاثينيات ومطلع الستينيات من القرن العشرين. العديد من هذه الأفلام اكتسحت شباك التذاكر، وبرز ممثلون-مغنون من أمثال محمد عبد الوهاب وأم كلثوم وشادية وصباح وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ كنجوم لامعين ملأت صورهم ورسومهم الجدران ولوحات الإعلان في المدن العربية.

بالرغم من تأثير هوليوود في مرحلة لاحقة، إلا أنّ بدايات الأفلام الغنائية المصرية كانت مستقلة عن نظائرها في بلدان أخرى. إذ أنّ ظهور هذه الأفلام في الثلاثينيات مرتبط بتطور المسرح الحديث في مصر والعالم العربي في مطلع القرن العشرين[1]. فقد بدأ في تلك المرحلة دمج الغناء مع التمثيل في استعراضات موسيقية، خاصة في مسرحيات قدمتها الفرق المسرحية ليوسف وهبي وعلي الكسار ونجيب الريحاني. وبالتالي لم تكن مصادفة أن كان روّاد المسرح هؤلاء هم أنفسهم من روَاد السينما المصرية في مراحلها الأولى.

أم كلثوم الشابة على غلاف كتيِّب فيلم «نشيد الأمل» (1937)

أم كلثوم الشابة على غلاف كتيِّب فيلم «نشيد الأمل» (1937)

في مطلع الثلاثينيات، بدأ الموسيقار محمد عبد الوهاب شراكة مع المخرج الواعد آنذاك محمد كريم. نتج عن هذا التعاون – والذي استمر حتى توقف عبد الوهاب عن التمثيل عام 1946 – عدد من الأفلام البارزة، مثل «الوردة البيضاء» (1933)، و«دموع الحب» (1935)، و«يحيا الحب» (1938). وقد اختلفت أغاني هذه الأفلام عن أعراف الأغاني التقليدية من حيث الطول، إذ كانت في الغالب أغانٍ قصيرة طول كل منها حوالي خمس دقائق. وعبرّت هذه الأغاني في الغالب عن مآسي وأفراح بطل القصة، العاشق الشاب عبد الوهاب.

ملصق فيلم «دموع الحب». مصر، 1935. الملصق لإعادة إصدار الفيلم عام 1954. 60 * 90 سم. تصميم: عز الدين.

ملصق فيلم «دموع الحب». مصر، 1935. الملصق لإعادة إصدار الفيلم عام 1954. 60 * 90 سم. تصميم: عز الدين.

في آخر الثلاثينيات وأول الأربعينيات، ظهر عدد من نجوم الغناء في السينما لأول مرة. ومن هؤلاء أم كلثوم، وفريد الأطرش، وليلى مراد، ومحمد الكحلاوي، ونور الهدى، ومحمد فوزي. وكان العديد منهم قد حققوا الشهرة قبل ذلك وعرفهم الجمهور من خلال الحفلات الغنائية والراديو[2]، بينما كان اكتُشف البعض الآخر وقُدِّم للسينما من قبل مخرجين عُرفوا باكتشافهم للمواهب مثل حسين فوزي ويوسف وهبي وأحمد بدرخان.

في حين ارتبطت الموجة الأولى من الأفلام الغنائية بالميلودراما، كانت أفلام الأربعينيات أقل ارتباطاً بهذا النوع. ويمكن ملاحظة بعض الأنماط فيما يخص القصص والنجوم والمخرجين. على سبيل المثال، لعبت أم كلثوم في الغالب أدواراً في قصص حب بائسة وفي قصص تاريخية. بالمقابل، تقمّص فريد الأطرش في العديد من الأفلام دور مغنٍّ شاب في رحلته الشاقة نحو الشهرة. ومالت الأفلام الغنائية التي لعب بطولتها محمد فوزي للكوميديا، خاصة في آخر الأربعينيات؛ يبرز هذا الطابع في أفلام مثل «حب وجنون» (1949) و«فاطمة وماريكا وراشيل» (1949). في نهاية الأربعينيات، مثلت أفلام تمزج الدراما والكوميديا والرومانسية وتحوي أغاني فردية واستعراضات مسرحية – مثل «غزل البنات» (1949) و«ليلة العيد» (1949) – ذروة السينما الغنائية والاستعراضية المصرية.

ملصق فيلم «الروح والجسد». مصر، 1948. 60 * 90 سم. تصميم، أندريا.

ملصق فيلم «الروح والجسد». مصر، 1948. 60 * 90 سم. تصميم، أندريا.

وكان للأفلام الغنائية في هذه الحقبة تأثير بالغ على الجماهير. فعلى سبيل المثال، كان لإطلاق فيلم «فاطمة» (1947) الذي لعبت بطولته أم كلثوم وقع حزين على من شاهده، بحسب بعض السرديات. يعرض هذا الفيلم الحكاية المرّة لفاطمة، وهي فتاة بسيطة تقع في حب شاب ثريّ لعوب، يهجرها وهي حامل. يروي كاتب السيناريو شريف المنياوي ذكريات مشاهدته العرض الأول للفيلم في بور سعيد عندما كان عمره 10 سنوات. بحسب ما يروي المنياوي، عندما خلف الحبيب وعده بالزواج، غنت أم كلثوم «ظلموني الناس»، فانفجر المشاهدون بالبكاء. وعندما حملت طفلها الوليد وغنت له باكية «ياللي اتحرمت من الحنان، من أب رؤوف رحيم، حكم عليك الزمان، تقضي عمرك يتيم»، إذا بالبكاء يزداد كما لو كان الحضور في جنازة حقيقية. وأصيبت بعض الفتيات بالإغماء، ما دعا إلى إيقاف العرض وإضاءة الأنوار[3].

بعد ذلك، شهدت أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات ميلاد جيل جديد من المطربين مثل شادية وصباح وعبد الحليم حافظ. وهؤلاء عاصروا فريد الأطرش وليلى مراد ومحمد فوزي خلال حقبة الخمسينيات. ولم تستمر الفنانة خفيفة الظل شادية في الغناء لفترة طويلة، إذ ركزت على التمثيل بعد أن قدمت عدداً من الأفلام الغنائية البارزة، مثل «آمال» (1952) و«أنت حبيبي» (1957). بالمقابل، كانت مسيرة المغنية والممثلة اللبنانية صباح من بين الأطول، وأكسبتها شعبية حول العالم العربي. ومن أبرز ما قدمت صباح أفلام «بلبل أفندي» (1948)، و«شارع الحب» (1958)، و«طريق الدموع» (1961). وعادت صباح بعدها إلى لبنان، حيث لمعت في المزيد من الأفلام الغنائية مثل «فاتنة الجماهير» (1964) و«المليونيرة» (1966).

ملصق فيلم «ليالي الحب». مصر، 1955. 60 * 89 سم. تصميم: جسور.

ملصق فيلم «ليالي الحب». مصر، 1955. 60 * 89 سم. تصميم: جسور.

لكن أيقونة الأفلام الغنائية المصرية في الخمسينيات والستينيات كان، بلا شك، عبد الحليم حافظ. فقد عبّر حافظ عن جيل الشباب في هذه الفترة. وغالباً ما صُوِّر كشاب رقيق فقير يعاني ليكسب ودّ حبيبته ويتجاوز المعيقات الاجتماعية، عاكساً بهذا معاناة أقرانه، ومجسداً الحب والتضحية والعفوية. وقد مزجت الأفلام التي لعب بطولتها بين الغنائية والميلودرامية، وتضمنت في الغالب أغانٍ مبهجة وأخرى حزينة. ومن هذه الأفلام «ليالي الحب» (1955)، و«الوسادة الخالية» (1957)، و«يوم من عمري» (1961). جدير بالذكر أن العديد من أشهر أغنيات عبد الحليم حافظ القصيرة كانت قد ألّفت أساساً لأفلامه الغنائية.

ومع نهاية الخمسينيات، بدأت تتقلص حصة الأفلام الغنائية من إنتاج السينما المصرية، مفسحة المجال أمام الدراما الواقعية، تماشياً مع التوجيهات الجديدة للدولة. وهكذا كانت الأفلام الغنائية أقل كثافة في الستينيات وما بعدها. بالرغم من انخفاض الإنتاج، استقطبت السينما عدداً من المواهب الغنائية، فلعب المطرب محرم فؤاد دور البطولة في «لحن السعادة» (1960) وماهر العطار في «النغم الحزين» (1960). وقُدِّمت النجمة وردة الجزائرية في فيلم «ألمظ وعبده الحامولي» عام 1961. هذه الأفلام الثلاثة كانت من إخراج حلمي رفلة، الذي عمل على العديد من أهم الأفلام الغنائية في الخمسينيات وأول الستينيات.

ملصق فيلم «لحن السعادة». مصر، 1960. 70 * 100 سم. تصميم: فاسيليو.

ملصق فيلم «لحن السعادة». مصر، 1960. 70 * 100 سم. تصميم: فاسيليو.

بصفة عامة، ارتبطت الأفلام الغنائية المصرية بالرومانسية والدراما والكوميديا في معظم الأحيان. لكن هناك أفلام غنائية ارتبطت بأنواع أخرى، فمنها ما قدم قصص دينية مثل «رابعة العدوية» (1963)، أو سير ذاتية مثل «سيد درويش» (1966)، أو قصص تاريخية حول حقبات معينة مثل «المغنواتي» (1980).

كان من الشائع أن تتضمن الأفلام الغنائية عروض رقص شرقي فردية، خاصة في الأربعينيات والخمسينيات. في آخر الستينيات وأول السبعينيات، تضمنت بعض الأفلام الغنائية عروضاً راقصة من المغنية نفسها، على غرار أداء سعاد حسني في «خلي بالك من زوزو» (1972). وتميّزت بعض الأفلام الغنائية الأخرى في هذه الفترة بتقديم عروض راقصة جماعية، مثل عروض فرقة رضا في فيلم «غرام في الكرنك» (1967).

ملصق فيلم «فتاة الاستعراض». مصر، 1969. 70 * 100 سم. تصميم: عبد العزيز.

ملصق فيلم «فتاة الاستعراض». مصر، 1969. 70 * 100 سم. تصميم: عبد العزيز.

ترافق تضاؤل شعبية الأفلام الغنائية في السبعينيات مع عدم قدرة منظومة الإنتاج السينمائي في اكتشاف مغنين موهوبين في التمثيل. فمعظم المغنين الذين ظهروا في أفلام غنائية من السبعينيات حتى الألفينيات، مثل هاني شاكر ومحمد فؤاد وعمرو دياب، لم يظهروا سوى في عدد قليل من الأفلام.

كان للأفلام الغنائية المصرية، خاصة تلك التي أنتجت بين الثلاثينيات والستينيات، أثر ثقافي لا يمكن التقليل من أهميته. فهذه الأفلام زادت من شعبية السينما المصرية في العالم العربي وأبعد من ذلك. بالنسبة لجمهور يستمتع بالاستماع للموسيقى، مثلت هذه الأفلام وسيلة فريدة لتخيّل الأغاني بصرياً، وكانت سلفاً بارعاً للأغاني المصورة الحديثة. إن الثروة الفنية التي تركتها الأفلام الغنائية من العصر الذهبي للسينما المصرية، إلى جانب ملصقاتها والتسجيلات الصوتية لأغانيها، تمثل فرصة لإعادة اكتشاف حقبة تميزت بالحب الأصيل والفرح والموسيقى النابعة من القلب.


اكتشف مجموعة ملصقات الأفلام الغنائية لدى سيتي لايتس بوسترز.

 


[1] فيولا شفيق. السينما العربية: التاريخ والهوية الثقافية (بالإنجليزية). القاهرة: مطبعة الجامعة الأمريكية غي القاهرة، 2016.
[2] كوري كريكمور وليندا مقداد. "مصر." في الفيلم الغنائي العالمي (بالإنجليزية)، ص 213-226. أدنبره: مطبعة جامعة أدنبره، 2012.
[3] محمود قاسم. الفيلم الغنائي في السينما المصرية. بيروت: الفرات، 2015.

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك آخر المقالات وإصدارات الملصقات والعروض الخاصة.

Share this
Older Post