المدونة

الحنين الغرافيكي في ملصقات السينما المصرية

  • 0 comments

الحنين الغرافيكي في ملصقات السينما المصرية

طارق عتريسي

عندما عاينتُ المجموعة الرائعة من الملصقات على موقع سيتي لايتس بوسترز، محاولاً أن أحسم قراري بشأن أي من الملصقات سأضيفه إلى مجموعتي الشخصية، أيقنت أن هذا الاختيار سيكون شديد الصعوبة. فكل من هذه الملصقات الدعائية للأفلام المصرية القديمة كان بمثابة عمل فني في حد ذاته؛ كل منها يعكس بصورة فريدة "العصر الذهبي" للسينما المصرية، معبراً عنها بلغة بصرية رائعة يعتبرها الكثيرون أحد أقوى الأنماط المرئية في تاريخ التصميم الغرافيكي العربي. على سبيل المثال، امتازت ملصقات الخمسينات بقيمة فنية عالية وبكونها ملصقات نفيسة. وأما ملصقات الستينات فقد تميزت بجاذبية يصعب وصفها في كيفية مزجها بين الفوضى والدقة من خلال تشكيلات غنية من الخطوط والرسوم. ثم تأتي حقبة السبعينات والتي ميّز ملصقاتها مزج الألوان الجذابة مع خطوط عربية غير معهودة في عناوين الأفلام. وكانت ملصقات فترة الثمانينات شاهداً على النمط السائد في التصميمات البصرية لذلك العقد والذي ألفته جيداً في صغري.

ملصق فيلم جنون الحب، ملصق أصلي نادر من عام 1976، مُرسل من سيتي لايتس بوسترز في تغليف جميل مصحوباً بشهادة أصالة.

ملصق فيلم جنون الحب، ملصق أصلي نادر من عام 1976، مُرسل من سيتي لايتس بوسترز في تغليف جميل مصحوباً بشهادة أصالة.

في النهاية اخترت ملصق فيلم جنون الحب، فثمة شيء ما في مكونات وتصميم الملصق جعلني أقع في حبه. لربما يرجع هذا إلى جمال وعمق تصوير الفنان لنجلاء فتحي والذي ينم عن وشحات أنيقة لفرشاته في تصوير تسريحة شعرها. أو ربما يرجع هذا الإعجاب لشدة تناسق الألوان المحيطة ببؤرة التركيز البرتقالية في وسط الملصق. أو لعل انجذابي لهذا الملصق يرجع ببساطة للخط الجميل والملهم المستخدم في كتابة عنوان الفيلم. ولكن هنا يكمن السر في جمال هذه الملصقات؛ فبعد إعجابك الأولي بالملصق تكتشف مع الوقت أسباب تعلقك به، ولهذا السبب خصيصاً أجد هذه الملصقات خياراً رائعاً للديكور الداخلي كقطع فنية محاطة بإطار. يحتوي مكتبي في استوديو طارق عتريسي ديزاين على أكثر من عشرة من هذه الملصقات الأصلية القديمة معلقة بحجمها الكبير المعتاد بقياس 70*100سم، كما يحتوي منزلي على بضعة ملصقات أيضاً. بالإضافة إلى كونها تضفي رونقاً فريداً للمكان الذي تعرض فيه، تنمو علاقتي بهذه الملصقات مع الوقت، فتراني أنظر إليها بطرق مختلفة وأستلهم من تصميماتها بشكل يفاجئني، كما أستمر باكتشاف تفاصيل جديدة في كل منها.

ملصق فيلم جنون الحب معلقاً في مكتب طارق عتريسي ديزاين في برشلونة، إسبانيا.

ملصق فيلم جنون الحب معلقاً في مكتب طارق عتريسي ديزاين في برشلونة، إسبانيا.

العديد من الملصقات الأصلية لأفلام مصرية معلقة في مكتب طارق عتريسي ديزاين في برشلونة، إسبانيا.
العديد من الملصقات الأصلية لأفلام مصرية معلقة في مكتب طارق عتريسي ديزاين في برشلونة، إسبانيا.

العديد من الملصقات الأصلية لأفلام مصرية معلقة في مكتب طارق عتريسي ديزاين في برشلونة، إسبانيا.

بعد شهرين أو أكثر قليلاً من اختياري لملصق فيلم جنون الحب، والذي قمت بتعليقه أمام طاولة عملي مباشرةً، أتى لي هذا الملصق بمفاجأة جميلة. فبينما بدأت البحث لمعرفة المزيد عن أعمال الفنان الذي رسم هذا الملصق، جسور، أوضحت لي والدتي أن هذا الفنان هو نفسه من رسم لوحة مألوفة جداً بالنسبة لي: البورتريه الخاص بجدي الراحل والذي كان معلقاً دائماً في بيت جدي. كانت هذه اللوحة جزءاً من الذاكرة البصرية لطفولتي. فتحت هذه المفاجأة المجال للعديد من المقارنات بين الأعمال الفنية لجسور، كما أتاحت نظرة نقدية أكثر عمقاً لصورة جدي جعلتني أقدرها بشكل أكبر من مجرد تعلقي الشخصي بها. فكلاهما من أعمال هذا الفنان العظيم والذي أبدع العديد من تصاميم الملصقات الشهيرة والمحبوبة لدى عشاق السينما المصرية في كل أنحاء العالم العربي. وفجأة أصبحت العديد من الأمور التي طالما رأيتها في بورتريه جدي (وهو صورته الأكثر حضوراً في ذهني) أكثر وضوحاً: التقنية والتناغم في الألوان، وعمق الرسم، والتوازن الرقيق بين التجسيد الواقعي والإحساس الفائق كانت كلها نفس الصفات المميزة لأعمال جسور. في حين كان أحد العملين تصميماً ترويجياً لفيلم سينمائي بينما الأخر عمل فني شخصي، كان كلاهما في النهاية قطعتين فنيتين مقدرتين وتستحقان العرض والعناية لسنين طويلة.

ملصق فيلم سونيا والمجنون (يسار) وصورة لشفيق نعمة (يمين)، كلاهما لفنان الأفيش المصري جسور.

ملصق فيلم سونيا والمجنون (يسار) وصورة لشفيق نعمة (يمين)، كلاهما لفنان الأفيش المصري جسور.

لطالما كانت الملصقات المصرية جزءاً من طفولتي ومن اللغة البصرية التي أحاطت بي: على شاشة التلفاز، على أغلفة شرائط الفيديو، في الشوارع، وفي العديد من مواد الدعاية السينمائية. كانت أول مرة أشاهد فيها هذه الملصقات خارج إطارها المعتاد في مهرجانات بيت الدين بلبنان في بداية الألفية الجديدة. حينها احتفى معرض "قصة حب" بتاريخ هذه الملصقات الغني، حيث عرضت مجموعة رائعة منها بحجمها القياسي في المهرجان. نجح هذا المعرض في استرعاء انتباه الجمهور الحاضر للمهرجان من خلال تسليط الضوء على قصة الحب التي جمعت كلاً منهم بهذه الملصقات، كما جعلني المعرض أدرك لأول المرة القيمة الفنية لملصقات الأفلام. كتب الصحفي الراحل سمير قصير مقالة تغطي المعرض لعلها من أكثر التحليلات الفنية فصاحة حول تاريخ هذه الملصقات وأهميتها الفنية والغرافيكية. تعدت نظرة قصير سحر وجاذبية هذه الملصقات لملاحظة تأثيرها الاجتماعي: تحرير النساء من صورتهن النمطية في العالم العربي المحافظ، واستعادة حريتهن في التعبير عن الجسد، وتجسيد بطلات الأفلام في ملصقات (لوحات إعلانية كبيرة) غطت بنايات بأكملها أحياناً.

كما أشار قصير أيضاً إلى أهمية دور هذه الملصقات في تطوير مجال التصميم الغرافيكي في المنطقة ككل، حيث أثر أسلوبها المميز على شكل الكثير من المطبوعات وأغلفة الكتب والمجلات. وبالرغم من أن إعادة النظر لهذه الظاهرة قد يعطي انطباعا عن كونها انتصاراً لما يطلق عليه فن الكيتش، إلا أن تصميمات هذه الملصقات المصرية احتوت مفردات بصرية ثرية جعلت منها شكلاً تعبيرياً قوياً أصبح الأكثر شيوعاً في المنطقة، بل أن هذا الأسلوب أصبح بمثابة صك جودة لأي عمل بصري خلال هذه الحقبة وبعدها. أما الفنانون الذين قاموا بتصميم هذه الملصقات فكانوا بمثابة ضيوف الشرف الحقيقيين لهذه الأفلام، حتى ولو لم يتم الاحتفاء بهم، حيث صنعوا أحد أكثر القصص إثارة بصرياً في الحداثة العربية، ولا يزال تأثيرهم من الفصول المهملة في التاريخ الفني للعالم في القرن العشرين.

ملصق فيلم غرام المليونير، من تصميم جسور في 1957، كان من الملصقات التي عرضت بمعرض

ملصق فيلم غرام المليونير، من تصميم جسور في 1957، كان من الملصقات التي عرضت بمعرض "قصة حب" بمهرجانات بيت الدين عام 2003.

على صعيد شخصي، لا زالت الملصقات مصدر إلهام لي في عملي اليومي كمصمم غرافيك وخطوط طباعية. فالتخطيط الفني العربي المبهر في هذه الملصقات حيّز اهتمام ألهمنا في العديد من الأوقات لاستحداث خطوط عربية طباعية من خلال مؤسستنا، أرابيك تايبوغرافي. في النهاية، كل مصمم غرافيكي ينظر إلى هذه الملصقات ويتمنى أن تحظى تصميماته الشخصية بنفس القدر من الحب والتقدير لعدة عقود من الزمن بعد إبداعها.



طارق عتريسي مصمم غرافيك وخطوط طباعية حائز على عدة جوائز، يدير استوديو التصميم البصري طارق عتريسي ديزاين (www.atrissi.com) القائم في برشلونة. يتخصص عتريسي في تصميم السمات التجارية والخطوط العربية وتصميم المعارض الفنية. حاز عتريسي على جائزة خريجي الجامعة الأمريكية ببيروت في لبنان ومدرسة الفنون البصرية في نيويورك تقديراً لإسهاماته في تنمية مجال التصميم في العالم العربي وعلى المستوى الدولي.

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك آخر المقالات وإصدارات الملصقات والعروض الخاصة.

Share this
Older Post